|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
الأكل آداب وأحكام
عن أبي هريرة-رضي الله عنه قال : أصابني جهد شديد فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية من كتاب الله، فدخل داره وفتحها عليَّ، فمشيت غير بعيد فخررت لوجهي من الجهد والجوع فإذا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قائم على رأسي فقال: يا أبا هريرة، فقلت: لبيك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسعديك، فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي، فانطلق بي إلى رحله فأمر لي بعُسّ من لبن فشربت منه، ثم قال : (عُد فاشرب يا أبا هر) فعدت وشربت ثم قال(عد) فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح. قال: فلقيت عمر وذكرت له الذي كان من أمري وقلت له: تولى ذلك من كان أحقَّ به منك ياعمر، والله لقد استقرأت الآية ولأنا أقرأ لها منك. قال عمر: والله لأن أكون أدخلتك أحبُّ إلىّ من أن يكون لي مثلُ حمرُ النعم).
معاني الألفاظ أصابني جهد شديد: أي من الجوع والمراد به المشقة. فاستقرأته آية: أي سألته أن يقرأ على آية من القرآن معينة على طريقة الاستفادة. فدخل داره وفتحها علي: أي قرأها عليَّ وأفهمني إياها. فأمر لي بعُس: العُس هو القدح الكبير. استوى بطني: استقام من امتلائه من اللبن. ولأنا أقرأ لهامتك: فيه إشعار بأن عمر لما قرأها عليه توقف فيها أو في شيء منها حتى ساغ لأبي هريرة ما قال، ولذلك أقره عمر على قوله. أدخلت: أي الدار وأطعمتك. حمرُ النعَّم: إي الإبل، وللحمر فضل على غير من أنواعها.
الفوائد: 1 – قال ابن بطال: كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحبه القرآن أن يحمله إلى منزله ويطعم ما تيسر ويحمل ما وقع من عمر على أنه كان له شغل عاقه عن ذلك.
2 – يباح للمسلم لذيذ الطعام واللذات مباحة وقد نزل فيمن حرم على نفسه ذلك:(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم).
3 – علينا أن نهتم بالجائع فنطعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني)، والأمر هنا للندب وقد يكون واجباً في بعض الأحوال ويؤخذ من الأمر باطعام الجائع جواز الشبع لأنه ما دام قَبْلَ الشبع فصفة الجوع قائمة به والأمر بإطعامه مستمر ومعنى فكو العاني أي خلصوا الأسير
. 4 – سبب عدم شبع كثير من الصحابة قلة الشيء عنده ولقد كان آل محمد صلى الله عليه وسلم كذلك قال أبو هريرة (ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام حتى قبض)، وقد كانوا يجدون أحيانا ولكن يؤثرون على أنفسهم والشبع المنفي هنا مقيد بالتوالى لا مطلقاً لأنه ورد في صحيح مسلم بلفظ (ما شبع محمد وأهله ثلاثة أيام تباعاً).
5 – من آداب الطعام التسمية عليه والأكل باليمين فعن عمر بن أبى سلمة قال: كنت غلاماً في حجر النبي-صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسولُ صلى الله عليه وسلم: يا غلام سمّ الله وكل بيمينك، وكل مما يليك، فما زالت تلك طعمتي بعد. وعمر بن أبى سلمة هو ابن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكان غلاماً والغلام هو الصبى من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم وكان في حجر النبي صلى الله عليه وسلم- أي في حضانته. وقد ذكر بعض العلماء أن الأكل باليمين مستحب وقال بعضهم بالوجوب واستدلوا بما ورد في صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يأكل بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع قال: لا استطيع قال: لا استطعت، فما رفعها إلى فيه بعد، وورد في صحيح مسلم:( إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه) فبذلك ترتفع البركة منه، ويستحب كذلك التيمن في كل عمل شريف وأحوال نظيفة كالأخذ والاعطاء، أما قوله: كل مما يليك فمحله إذا كان الطعام نوعاً واحداً. لأن كل أحد كالحائز لما يليه من الطعام، فأخذ الغير له تعد ما فيه من تقذر النفس مما خاضت فيه الأيدي ولما فيه من إظهار الحرص والنهم وهو مع ذلك سوء أدب بغير فائدة، أما إذا اختلفت الأنواع فقد أباح ذلك العلماء. ولقد استفاد العلماء من ذلك أنه ينبغي اجتناب الأعمال التي تشبه أعمال الشياطين والكفار وأن للشيطان يدين وأنه يأكل ويشرب ويأخذ ويعطي، وفي جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي وأهمية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حتى في حال الأكل وفيه استحباب تعليم أدب الأكل والشرب وفيه فضل لعمر بن أبي سلمة لامتثاله الأمر ومواظبته على مقتضاه.
6 – ومن آداب الطعام ألا يأكل حتى يُسمَّى له فيعلم ما هو، فعن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميمونة، وهي خالته وخالة ابن عباس، فوجد عندها ضباً محنوذاً قدمت به أختها حفيدةُ بنت الحارث من نجد، فقدمت الضبَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قلما يقدَّم يدَه لطعام حتى يُحَّدثَ به ويسمى، فأهوى رسول الله، صلى الله عليه وسلم يده إلى الضب فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمتن له، هو الضب يا رسول الله فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الضب فقال خالدُ بن الوليد: أحرام الضّب يار سول الله؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه، قال خالد: فاجترزته فأكلته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليّ.
7 – الحث على الاجتماع على الطعام فالكفاية تنشأ عن هذه البركة والمواساة إذا حصلت، حصلت معها البركة فتعم الحاضرين، فعن أبي هريرة رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طعام الإثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة) وقد استفاد العلماء من هذا الحديث الحض على المكارم والتقنع بالكافية وأنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده فيمتنع عن تقديم فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء بمعنى حصول سد الرمق وقيام البنية لا حقيقة الشبع.
8 – من شأن المؤمن التقلل من الأكل ولاشتغاله بأسباب العبادة ولعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما يسد الجوع ويمسك الرمق ويعين على العبادة، ولخشيته من حساب من زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك فإنه لا يقف مع مقصود الشرع بل هو تابع لشهوة نفسه مسترسل فيها غير خائف من تبعات الحرام فصار أكل المؤمن إذا نسب إلى أكل الكافر كأنه بقدر السبع منه، ولا يلزم من هذا اطراده في حق كل مؤمن وكافر فقد يكون في الؤمنين من يأكل كثيراً إما بحس العادة وإما لعارض يعرض له من مرض باطنى أو لغير ذلك ويكون ي الكفار من يأكل قليلاً إما لمراعاة الصحة على رأي الأطباء، وإما للرياضة على رأي الرهبان، وإما لعارض كضعف المعدة ولذلك قال الطيبي في تفسير حديث نافع ( ما كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه فأدخلت رجلاً يأكل معه، فأكل كثيراً، فقال: يا نافع لا تدخل هذا علىّ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: المؤمن يأكل في مِعىً واحدة، والكافر يأكل في سبعة أمعاءً. وحديث أبي هريرة: ( أن رجلاً كان يأكل أكلاً كثيراً، فأسلم فكان يأكل قليلاً، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث. قال: (محصل القول أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة، بخلاف الكافر، فإذا وجد مؤمن أو كافر على غير هذا الوصف لا يقدح في الحديث ومن هذا قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) الآية وقد يوجد من الزاني ومن الزانية نكاح الحر. وهناك قول آخر في هذا الحديث هو أن المراد بالمؤمن هنا هو التام الإيمان، لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده فيمنعه شدة الخوف وكثرة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته، ويشير إلى ذلك حديث أبي سعيد الصحيح (إن هذه المال حولة خضرة، فمن أخذ بإشراف نفسى كان كالذي يأكل ولا يشبع) فدل على أن المراد بالمؤمن من يقتصر في مطعمه، وأما الكافر فمن شأنه الشره فيأكل بالنهم كما تأكل البهيمة ولا يأكل بالمصلحة لقيام البنية، وقد رد هذا الخطابي وقال: ذكر عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير، فلم يكن ذلك نقصاً في إيمانهم. وهناك قول ثالث هو أن المراد أنه المؤمن يسمى الله تعالى عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان فيكفيه القليل، والكافر لا يسمي فيشركه الشيطان وفي صحيح مسلم في حديث مرفوع: إن الشيطان يستحل الطعام إن لم يذكر اسم الله تعالى عليه: فالمؤمن يقل حرصه على الطعام فيبارك له فيه فيشبع من القليل، والكافر طامح البصر إلى المأكل كالأنعام فلا يشبعه القليل. وهناك قول خامس هو ان بعض المؤمنين يأكل في معى واحد وأن أكثر الكافرين يأكل في سبعة أمعاء. وهناك قول سادس إن هذا كان في كافر مخصوص. وهناك أقوال تبين أن الحديث ليس على ظاهره وإنما هو مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها وقيل المراد: حض المؤمن على قلة الأكل إذا علم أن كثرة الأكل صفة الكافر، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكافر، ويدل على أن كثرة الأكل من صفة الكفار، ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام). وقد كان العقلاء في الجاهلية والإسلام يتمدحون بقلة الأكل ويذمون كثرته كما ورد في حديث أم زرع أنها قالت في معرض المدح لابن أبي زرع: ( ويشبهه ذراع الجفرة). وقال حاتم الطائى: فأنك إن أعطيت بطنك سؤله ومزجك نالا منتهى الذم أجمعا
9 – عدم الميل على أحد الشقين أثناء الأكل ومن أضراره أن الطعام لا ينحدر في مجارى الطعام سهلاً، ولا يسيغه هنيئاً وربما تأذى به، وهو من فعل المتعظمين وأصلة مأخوذ من ملوك العجم، فإن كان بالمرء لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئاً لم يكن في ذكل كراهة قال عليه الصلاة والسلام(إن لا آكل متكئاً).
10 – من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب سواء من جهة الخفة أو من جهة الصنعة لأن صنعة الله لا تعاب وإذا عاب صنعه الآدميين كسر مكب الصانع، فلا يقال: مالح، حامض، قليل الملح، غير ناضج. وقال ابن بطال: هذا من حسن الأدب، لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيه غيره، وكل مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عيب.
11 – شكر الله تعالى الدائم على النعم وتذكر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون عن قيس بن سعد قال: رأيتني سابع سبعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الحمبلة-أو الحبلة-( حتى يضع أحدنا ما تضع الشاة، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، خسرت إذن وضل سعي). وورق الحبلة ثمر العضاة وثمر السمر.
12 – الترغيب في أكل الطعام الطيب والحلو ولقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة ريحها طيب وطعمها طيب قال ابن بطال: معنى هذا إباحة أكل الطعام الطيب وإنما كره السلف (الإدمان) على أكل الطيبات خشية أن يصير ذلك عادة فلا تصبر النفس على فقدها. وعن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل، قال ابن التين: لم حبه- صلى الله عليه وسلم على معني كثرة التشهي لها وإنما كان ينال منها إذا حضرت نيلاً صالحاً فيعلم بذلك أنها تعجبه.
13 – إلا ننسى الفقراء والمساكين فنطعمهم مما رزقنا الله. قال ابو هريرة: رضي الله عنه: (خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب: (ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته).
14 – استحباب الضيافة لمن غلبت حاجته لذلك فقد كان من الأنصار رجل يقال له ابو شعيب، وكان له غلام لحام فقال: أصنع لي طعاماً أدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم خامس خمسة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خامس خمسة فتبعهم رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنك دعوتنا خامس خمسة، وهذا رجل قد تبعنا، فإن شئت أذنت له وإن شئت تركته، قال: بل إذنت له) وقد استفاد العلماء من الحديث أن من صنع طعاماً لغيره فهو بالخيار بين أن يرسله إليه أو يدعوه إلى منزله، وأن من دعا احداً استحب ان يدعو معه من يرى من أخصائه وأهل مجالسته وفيه إجابة الإمام والشريف والكبير دعوة من دونهم وإن من صنع طعاماص لجماعة فليكن على قدرهم إن لم يقدر على أكثر ولا ينقص من من قدرهم مستنداً إلى أن طعام الواحد يكفي الأثنين وفيه أن من دعا قوماً متصفين بصفة ثم طرأ عليهم من لم يكن معهم حينئذ أنه لا يدخل في عموم الدعوة، وأن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه. وقال الشافعية: لا يجوز التطفل إلا لمن كان بينه وبين صاحب الدار انبساط، وفيه أن المدعو لا يمتنع من الإجابة إذا امتنع الداعي من الإذن لبعض من صحبه وأما ما أخرجه مسلم من حديث أنس: (إن فارسياً كان طيب المرق صنع للنبي صلى الله عليه وسلم، طعاماص ثم دعاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهذه لعائشة؟ قال: لا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا. فيجاب عنه بأن الدعوة لم تكن لوليمة وإنما صنع الفارسي طعاماً بقدر ما يكفي الواحد فخشى إن أذن لعائشة أن لا يكفي النبي صلى الله عليه وسلم ولعل النبي صلى الله عليه وسلم، علم حاجة عائشة لذلك الطعام بعينه أو أحب أن تأكل معه منه لأن كان موصوفاً بالجودة ولم يعلم مثله في قصة اللحام. وأما قصة أبي طلحة حيث دعا النبي صلى الله علي وسلم، فقال لمن معه: قوموا، فأجاب عنه المازرى: أنه يحتمل أن يكون علم رضا أبي طلحة فلم يستأذن، ولم يعلم رضا ابي شعيب فاستأذنه، ولأن الذي أكله القوم عند أبي طلحة كان مما خرق الله فيه العادة لنبيه صلى الله عليه وسلم العادة لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكان جل ما أكلوه من البركة التي لا صنيع لأبي طلحة فيها فلم يفتقر إلى استئذانه، أو لأنه لم يكن بينه وبين القصاب من المودة ما بين وبين أبي طلحة، أو لأن أبا طلحة صنع الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم فتصرف فيه كيف أراد وأبو شعيب صنعه له ولنفسه ولذلك حدد بعدد معين ليكون ما يفضل عنهم له ولعياله مثلاً، واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فاستأذنه لذلك لأنه أخبر بما يصلح نفسه وعياله، ولعله سمع حديث(طعام الواحد يكفي الإثنين). وفي قوله صلى الله عليه وسلم (هذا رجل قد تبعنا) فأبهم لوم يعينه أدب حسن لئلا ينكسر خاطر الرجل. وقال البخاري: إذا كان القوم على المائدة فليس لهم أن يناولوا من مائدة إلى مائدة أخرى ولكن يناول بعضهم بعضاً في تلك المائدة أو يدعو)، ( قال ابن بطال: إنما جاز لهم ذلك لأن الطعام قدم لهم بأعيانهم فلهم أن يأكلوه وهم فيه شركاء فمن ناول صاحبه مما بين يديه فكأنه آثره بنصيبه مع ما له فيه من المشاركة، وهذا بخلاف من كان على مائدة أخرى فأنه وإن كان للمناول حق فيما بين يديه لكن لا حق للآخر في تناوله إلا شركة له فيه)، وكأنه استنبط ذلك من استئذان النبي صلى الله عليه وسلم الداعي في الرجل الطارئ، ووجه أخذه من أن الذين دعوا صار لهم بالدعوة عموم إذن بالتصرف في الطعام المدعو إليه بخلاف من لم يدع فيتنزل من وضع بين يديه الشئ منزلة من دعى له أو ينزل الشئ الذي وضع بين يدي غيره منزلة من لم يدع إليه.
15 – يستحب أكل الداعي مع الضيف لأنه أبسط لوجهه وأذهب لاحتشامه واقرى له ومن ترك فجائز فقد روى أنس رضي الله عنه، قال: كنت غلاماً أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، على غلام له خياط، فأتاه بقصعة فيها طعام وعليه دباء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء، وقال: فلما رأيت ذلك جعلت أجمعه بين يديه، قال فأقبل الغلام على عمله. قال أنس: لا أزلا أحب الدباء بعد ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع ما صنع).
16 – جواز أكل الشيئين من الفاكهة وغيرها معاً فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الرَّطب بالقثاء، يؤخذ منه جواز التوسع في المطاعم، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، وما نقل عن السلف من خلاف هذا محمول على الكراهة منعا لاعتياد التوسع والترفه والإكثار لغير مصلحة دينية، وقال القرطبي: يؤخذ منه جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على الوجه اللائق بها على قاعدة الطب، لأن في الرطب حرارة وفي القثاء برودة فإذا معاً اعتدلا.
17 – جواز أكل الثوم والبصل والكراث إلا أن من أكلها يكره له حضور المسجد وقد ألحق بها الفقهاء، مافي معناها من البقول الكريهة الرائجة كالفجل، فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا)، والمقصود النهي عن دخول المسجد لمن أكل النئ منها دون المطبوخ.
18 – يباح أكل ثمر الشجر الذي لا يملك، وكثير من أهل الورع لهم رغبة في مثل هذه المباحات أكثر من تناول ما يشترى، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بمر الظهران نجني الكباث فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أيطب، فقيل: أكنت ترعى الغنم؟ قال: نعم وهل من نبي إلا رعاها)؟ والكباث هو ورق الأراك وممر الظهران مكان على مرحلة من مكة والأ يطب هو الأطيب.
19 – استحباب الحمد بعد الطعام فعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا رفع مائدته قال: الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير تكفىّ ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا). وغير تكفىّ معناها غير مردود عليه إنعامه’ ولا مودع معناها غير متروك.
20 – يجب إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلد وكذلك الكسوة والأمر بالاختيار إما إجلاسه أو مناولته، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليتناول أكلة أو أكلتين، أو لقمة أو لقمتين، فإنه ولى حره وعلاجه). قوله: (فإن لم يجلسه، بسبب ترفع منه أو تواضع م الخادم عن مؤاكلة سيده. قوله:( فإنه ولي حره أي عند الطبخ وعلاجه أي قبل وضعه على النار. قال ابن المنذر عن جميع أهل العلم أن الواجب إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلد وكذلك القول في الأدم والكسوة، وأن للسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك وإن كان من الأفضل أن يشرك معه الخادم في ذلك.
21 – الطاعم الشاكر، فعل الصائم الصابر). هذا حديث معلق وقال ابن التين: الطاعم هو الحسن الحال في المطعم. وقال ابن بطال: هذا من تفضل الله على عباده أن جعل للطاعم إذا شكر ربه على ما أنعم به عليه ثواب الصائم الصابر. وقال الطيبى: ربما توهم متوهم ان ثواب الشكر يقصر عن ثواب الصبر فأزيل توهمه أو وجه الشبه اشتراكهما في حبس النفس، فالصابر يحبس نفسه على طاعة المنعم والشاكر يحبس نفسه على محبته وفي الحديث: الحث على شكر اله على جميع نعمه إذ لا يختص ذلك بالاكل.
22 – قال أنس: (إذ دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه).
23 – إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه، قال رسو الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء). وعن نافع ( عن ابن عمر انه تعشى موة وهو يسمع قراءة الإمام.
24 – الانتشار بعد الأكل وهو التوجه عن مكان الطعام للتخفيف عن صاحب المنزل، قال الله تعالى: ( فإذا اطعمتم فانتشروا) وسبب نزل هذه الآية ما رواه أنس رضي الله عنه إذ قال: (أنا أعلم الناس بالحجاب، كان أبي بن كعب يسألني عنه، أصبح رسول الله صلى الله علي وسلم، عروساً بزينب بنت جحش- وكان تزوجها بالمدينة- فدعا الناس بعد ارتفاع النهار، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلس معه رجال بعد ما قام القوم، حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشى ومشيت معه، حتى بلغت باب حجرة عائشة، ثم ظن انهم خرجوا، فرجع فرجعت معه، فإذا هم جلوس مكانهم، فرجع فرجعت معه الثانية حتى بلغ باب حجرة عائشة، فرجع ورجعت معه فإذا هم قد قاموا، فضر بيني وبينه ستراً، وأنزِل الحجاب.