Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

فن تضييع الوقت

الصفحة الرئيسية 
    والوقت أنفس ما عنيت بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيع
   
إن الذي يتمعن في قوله - تعالى -: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا} (الإسراء: 13، 14) ليلمس للوهلة الأولى مغزى سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التأذين في أذن المولود أول خروجه للحياة ليكون أول شيء يطرق سمعه شهادة: أن لا إله إلا الله، وكذلك تلقين الميت حين الاحتضار شهادة لا إله إلا الله لتكون آخر شيء يقع على سمعه فكأن الله - عز وجل - يريد أن يستفتح المسلم كتاب عمره - وهو الذي سوف يلقاه يوم القيامة منشورًا - بشهادة الحق وأن تكون نهاية وخاتمة كتاب عمره أيضًا هي شهادة الحق وبين البداية والنهاية تكون آثار المرء المسجلة في هذا الكتاب، وعليه فهناك احتمالات ثلاث لهذا الكتاب:
   
إما أن تملأ صفحات هذا الكتاب - أي أيام عمر المرء - بالأعمال الصالحة التي يسجلها الحفظة، الحسنة بعشر أمثالها أو مضاعفاتها إلى سبعمائة ضعف، وبالتالي يثقل الميزان تصديقًا لقوله - تعالى -: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} (المؤمنون: 101، 102)، ويزيد الأمر وضوحًا بقوله - تعالى -: {فأما من ثقلت موازينه. فهو في عيشة راضية} (القارعة: 6، 7).
   
أو أن تملأ صفحات هذا الكتاب - أي أيام عمر المرء - بالأعمال السيئة على خلاف ما أمر الله - عز وجل - أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهنا تخف الموازين وتطيش الكتب تصديقًا لقوله - تعالى -: {وأما من خفت موازينه. فأمه هاوية. وما أدراك ماهيه. نار حامية} (القارعة: 8 - 11).
   
ويزيد الأمر وضوحًا بقوله - تعالى -: {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون. ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون. قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين. ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. قال اخسئوا فيها ولا تكلمون. إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخريًا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون. إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون. قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين. قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم فاسأل العادين. قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون. أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون. فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} (المؤمنون: 103 - 116).
   
بل يزيد الأمر وضوحًا أكثر وأكثر بجعل جزاء أعمال الكفار في هذا اليوم هباءً منثورًا. وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا. أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلاً} (الفرقان: 23، 24).
   
أو أن يؤثر المرء السكون فلا هو يكون حريصًا على عمل الحسنات، ولا هو يكون حريصًا على عمل السيئات كأن ينام مثلاً أغلب يومه وليله، أو أن يقضى عمره أمام أجهزة التليفزيون ليستمتع بمشاهدة مباريات الكرة، ويقول في نفسه لا عليّ طالما لم أرتكب محرمًا من غيبة لأحد أو نميمة كما يصنع أغلب الناس إذا جلسوا يتسامرون.
   
ولكن هيهات هيهات هنا أن تسجل في الصفحات حسنة تثقل الميزان، فالنتيجة واحدة هي أن الصفحات ظلت بيضاء بدون تسجيل ولو حسنة واحدة ما لم يكن صاحبنا قد هم بعمل حسنة، ولو لم يعملها أو نوى في نفسه بعمل حسنة مرجوة عند الله.
    ومن هنا يبين لنا أهمية أن يكون اللسان على الأقل دائمًا رطبًا بذكر الله - عز وجل - في كل حالة وهيئة من حالات المسلم منذ لحظة تفتح عينيه من النوم إلى أن يضع رأسه على وسادته للنوم،
   
ولعل في أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المأثورة في الذكر لكل مناسبة غناء لكل مسلم يريد أن يثقل ميزانه بشيء خفيف على اللسان ثقيل في الميزان، حبيب إلى الرحمن بمثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «سبحانه الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
   
أما أن يغيب عن المسلم ذلك ولا يكلف نفسه بتحريك لسانه على الأقل بما يفيده، فذلك هو الضياع لا محالة، وتكون كل وسائل قضاء الوقت أو قتل الوقت، كما يسميه بعض الناس فيما لا يفيد إنما هي وسائل شيطانية لتخفيف الموازين يوم القيامة {قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم. قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين. قال فالحق والحق أقول. لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} (ص: 79 -
    وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثًا: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق"رواه الخمسة ولم يعله الإمام الشوكانى - رحمه الله - بشيء(1)، ثم قال عنه: «فيه أن ما صدق عليه مسمى اللهو داخل في حيز البطلان إلا تلك الثلاثة أمور، فإنها وإن كانت في صورة اللهو فهي طاعات مقربة إلى الله - عز وجل - مع الالتفات إلى ما يترتب على ذلك الفعل من النفع الدينى"ا.ه.
   
ويعقب صاحب الظلال - عليه رحمة الله - (2) على قوله - تعالى -: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا} (آل عمران: 30) فيقول: «ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب خطوة أخرى، كذلك باستحضار اليوم المرهوب الذي لا يفد فيه عمل ولا نية، والذي تواجه فيه كل نفس برصيدها كله.. وهى مواجهة تأخذ المسالك على القلب البشرى وتحاصره برصيده من الخير والسوء، وتصور له نفسه، وهو يواجه هذا الرصيد ويود - ولكن لات حين مودة!! - لو أن بينه وبين السوء الذي عمله أمدًا بعيدًا، أو أن بينه وبين هذا اليوم كله أمدًا بعيدًا، بينما هو في مواجهته آخذ بخناقه ولات حين خلاص ولات حين فرار"ا.ه.
   
وفى يقيني أن الذي يضيع عمره فيما لا يفيد إنما يكمن مرضه في أنه لا يحسن التفكير أو لا يفكر أصلاً فهو معطل لهذه النعمة - ألا وهى العقل - ولقد كتب كاتب أسباني قصة رمزية عن هذا المعنى، فذكر أن فارسًا أحب فتاة حبًا شديدًا، ولكن لم تكن هي تبادله هذا الحب، فأرادت أن تصرفه عنها بطريقة مهذبة، فسألته عن برنامجه في اليوم والليلة، فأجابها بأنه يصحو من نومه فيغسل وجهه، ثم يذهب يتريض بفرسه، ثم يعود فيفطر، ثم يذهب إلى ناديه ليتسامر مع أصحابه، وفى الليل يتوجه إلى السينما، ثم يعود فينام، وهكذا كل يوم فقالت له: إنك لم تزد على أن عرفتني برنامج فرسك في اليوم والليلة، فهو أيضًا يأكل ويشرب ويتريض وينام فمتى إذن أنت تفكر؟!!
   
فياله من سؤال عجيب يركز عليه الكاتب الأسباني وأغلب شباب الإسلام اليوم، بل أغلب المنتسبين للإسلام اليوم عنه غافلون!!
   
إنك إن ذهبت تبحث عنهم فقد لا يخطئك الظن أن تجد بعضهم متسكعًا في الشوارع أو على نواصي المسارح والسينمات أو على المقاهي بقتل وقته في لعب أشياء لا تزكى عقلاً ولا تبنى جسمًا، أو هو يدخن الشيشة التي هي الموت البطيء أو متحلقًا حول جهاز تليفزيون يشاهد مسرحية أو تمثيلية في قناة فضائية تولع الجسم أو كل ديكوراتها في حجرات النوم.. وقد وصل بعضهم إلى جلسات عبادة الشيطان وما خفي كان أعظم.
   
ومرجع ذلك كله باختصار شديد يمكن تشبيهه بمصرف عظيم يحمل القاذورات والأوساخ، ولهذا المصرف منبع وروافد رئيسة، ولهذه الروافد الرئيسة روافد فرعية تغذيه:
   
فمنبعه هو عدم تعظيم واحترام وحى الله - عز وجل - وأن تستبدل به نظريات العقول البشرية في قيادة وهداية البشر {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} (النحل: 36).
   
وأحد روافده الرئيسة سوء التربية الإسلامية أو قل انعدام هذه التربية الإسلامية، والتي تبدأ بالغبن في التوحيد ويغذيه روافد فرعية منها:
-
الاهتمام بالخرافات والضلالات والأوهام، وكأن الحياة لا تقوم إلا بها.
-
عدم الاستفادة والانتفاع بسنن الله - عز وجل - التي تجرى على الأفراد والأمم.
-
عدم وضوح أهمية الحياة في ألفة وتجمع وعدم التنازع أو الاختلاف والشقاق.
-
عدم تعظيم شعائر الله وحرماته والاستهتار بها.
-
عدم وضع الولاء والبراء في محلهما الصحيح.
-
عدم الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكرات.
-
ضعف الإرادة عند هؤلاء الأفراد.
-
اختلاط العدو بالصديق وعدم التمييز بينهما، سواء من الإنس أو الجن.
-
عدم الحساب للموت مع طول الأمل.
-
كراهية لقاء الله - عز وجل - .
-
عدم الصبر على المحن والوقوع في الفتن بدون زاد... إلخ.
رافد آخر رئيس يغذى هذا الاتجاه هو انعدام الوازع الأخلاقي الذي يضبط سلوك الفرد مع نفسه ومع عشيرته ومع مجتمعه.
-
رافد ثالث رئيس يعين أيضًا على الانزلاق هو ضعف الإحساس بالانضباط الاجتماعي.
رافد رابع رئيس هو الخلل في النظر إلى المال لا على أنه وسيلة، بل على أنه غاية.
رافد خامس رئيس هو الانفلات السياسي عند الحاكم أو المحكوم على السواء، فلا الأول حريص على رعاية الثاني ولا الثاني حريص على محاسبة الأول في تقصيره تجاهه.
فالنجاة النجاة بالانتفاع بوصية الله - عز وجل -: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا} (النساء: 114).
وأيضًا الانتفاع بتوجيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين لفت الأنظار إلى الاهتمام الشديد بعزائم الأمور كالحرص على صلاة الليل والفجر التي وصفها بأنها أثقل الصلاتين على المنافقين لقوله - تعالى -: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا. ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا} (الإسراء: 78، 79)، والتي جعل - صلى الله عليه وسلم - الزاد لتحقيق ذلك بالنهى عن السمر بعد العشاء(3) والنوم قبلها، ولم يأذن - عليه الصلاة والسلام - بسمر بعد العشاء إلا في ثلاث: تحصيل علم أو قرى ضيف، أو في عرس(4)، ولعل في الانتفاع بتعلم ومزاولة الهوايات المربحة انتفاعًا بالوقت الذي هو العمر وإثراء للحبيب الذي هو خير من مد اليد للناس أعطوك أو منعوك، والله الهادي إلى الصراط المستقيم.
الصفحة الرئيسية