|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
كشف حساب بعد رمضان
في أعقاب شهر رمضان بقي أن نقدم بين أيدينا كشف حساب !
ثمرات شهر رمضان وبركاته كثيرة ومتعددة ، لو أحسن الإنسان فيه الإقبال على الله على الوجه الذي يريده الله عز وجل وكل هذه الثمرات تصب في النهاية لصالح هذا الإنسان ، كلا ، بل هي تتعداه لتفيض على أسرته وجيرانه ، ودائرة عمله وهكذا تنداح الدائرة حيثما تحرك وسار .
تتجلى لك في نهار رمضان في هذا الإنسان : حكمة الشيوخ ، ووقار العلماء ، وخشوع العابدين ، ورفرفة العارفين ، ولكن العجب أن تجد البعض يتحلى بهذه الصفات العظيمة في النهار دون الليل …!
وفي رمضان دون بقية الأشهر : حيث ترى هذا البعض ما إن يعود من صلاة _ سريعة جدا_ً للتراويح ، حتى ينغمس في ملهيات كثيرة ، أكثر ما فيها ليس سوى إعلان حرب على هذا الشهر الفضيل ، وتبديد لثمراته في النفس وعلى القلب ..
وأكثر من هؤلاء البعض ، هم الذين ينصرفون من صلاة العيد ، ثم لا يعرفون الطريق إلى المساجد ..!! يضيع من بين أرجلهم الدرب كله ، وينفلت الخيط من أيديهم ، ويُسلِمون أنفسهم إلى شيطان الهوى يسوقهم إلى حيث يشاء ..!
إن على هؤلاء جميعاً أن يراجعوا أنفسهم ويحاسبوها جيداً ، فلعلهم يكتشفون أنهم يظنون القرب وهو في بعد ، ويظنون الوصل وهو إلى الانقطاع أقرب .. وسيكتشفون أن قلوبهم أشبه ما تكون بالقربة المقطوعة ، يتسرب منها ما يتجمع فيها ..وإلا فلماذا ينصرفون عن الله بعد أن ارتبطوا به ..؟! ولماذا ينسون دروس رمضان بعد أن تخرجوا من دورته المكثفة ..؟
هي قاعدة ذهبية عليك أن تحفظها جيداً :
على قدر استفادة الإنسان من شهر رمضان ونجاحه في الانصهار به ، فإن ثمرات ذلك وبركاته وأنواره تستمر معه لأطول فترة ممكنة _ إن لم أقل العمر كله فيبقى مراقباً لنفسه ، متابعاً لهمساتها ، مدققاً في حركاتها وسكناتها ، حذراً من وساوسها وإيحاءاتها ، متيقظاً لمنعرجات الطريق ، ذلك لأن الطريق طويل ، والمنعطفات فيه كثيرة ، والالتواءات فيه مخيفة ، والسير في غفلة وشرود قد يجعل المركبة تدخل في طريق فرعي وعر ، فإذا بصاحبها يجد نفسه وسط المتاهة يقلّب نظره في السماء ،ومن ثَمّ فلابد من اليقظة المستمرة والحذر الدائم ..
ومن عجائب هذه اليقظة : أنها تولّد من النور نوراً ، وتستخرج من الثمرات ثمرات أخرى كانت غائبة عن العين ، فإذا العمر مبارك بفضل الله تعالى .. وتلك نعمة لا تزال تسمو بالإنسان ، فتحلو به ومعه الحياة .
يلاحظ بوضوح مثلاً : أنه في نهار رمضان تتجسد للعيان أخلاقيات سماوية رائعة ، وتتجلى قضايا إيمانية عميقة ، فرقابة الله عز وجل _مثلاً_ تكون في ذروتها لدى الإنسان _ وهذا هو مقام الإحسان كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن هذا المقام فقال:( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )
فأنت تلاحظ _ في ذات نفسك ، وفي جميع لمحيطين بك ، أن رقابة الله تكون أوضح ما تكون في نهار رمضان ، حيث لا يسمح أحدنا لهواه أن يغلبه ، مهما كان ضغط هذا الهوى على نفسه ، حتى حين يخلو بنفسه ، حيث لا تراه عين بشر ، تجده يستشعر قرب الله تعالى منه ، ورقابته عليه ، ومحاسبته إياه ، هذه _ مثلاً_ علبة التدخين ..
على مقربة من هذا الإنسان المبتلى بها ، والذي يزعم أنه لا يستطيع الاستغناء عنها ، هاهي في متناول يده ، ولا يحول بينه وبينها أحد ، وهذه المعشوقة التي توله بها قلبه تدعوه بإلحاح مثير ، ولكنه _ في هذه اللحظة _ ينظر إليها في استعلاء ، ولا يبالي بها ، ولا يكترث لإيحاءاتها، ذلك لأن رقابة الله قد ملأت عليه نفسه ، والخوف من سخط الله قد عمر قلبه ، ومن ثَمّ ألزم نفسه الإعراض عنها وإن كرهت ، وفي هذا درس عظيم لأولئك الذين يزعمون أنهم غير قادرين على الخلاص منها ولو لساعة من نهار ..! وهكذا قل في بقية الشهوات التي يحسب الإنسان أنه قد أصبح أسيراً مستذل النفس لها .. وقد قيل في هذا المعنى الإيماني العميق :
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل **** خلوتُ ، ولكن قل عليّ رقيبُ
ولا تحســبنّ اللـه يغفــلُ سـاعـةً **** ولا أنّ ما يُخفى ، عليه يغيبُ
ويتفرّع عن هذه الثمرة العظيمة : ثمرات كثيرة في حياة الإنسان وواقع الحياة : فاللسان في أروع حالات ضبطه ، فلا يتفلّت ، بل ترى أن صاحبه قد ألجمه بلجام ووثاق شديدين ، فإذا الكلمات منتقاة موزونة نظيفة متوضئة طيبة مباركة ، وبهذا يتحقق الإنسان بحقيقة الإسلام ففي الحديث : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )
هذا مجرد نموذج لثمرة مباركة من ثمرات هذا الشهر الكريم ، والثمرات كما قلنا كثيرة متعددة ، وكل ثمرة تتوالد منها ثمرات أخرى ، لصالح المجتمع والحياة كلها ، والمهم أن على الإنسان أن يستفيد من هذا الشهر جيداً ..
إن أخلاقيات رمضان تجعل المرء يسمو فوق الأهواء ، وتجعله يرفرف في آفاق عليا فيغدو الإسلام حياً في واقع الناس ،وبهذا يكون رمضان قد استطاع أن يقدح شرارة التفاعل مع تعاليم الإسلام كلها ، فإذا بالإنسان يندفع في تلقائية إلى دوائر الخير ينافس فيها المتنافسين ..
فإذا تصورنا أن مجتمعاً ما استمر على هذه الصورة الوضئية النقية ، بقية أشهر السنة ، فإننا يمكن أن نقول :
لقد استطاع الإسلام أن يصنع في دنيا الناس ملائكة يمشون على الأرض أرجلهم تطأ الثرى ، وأرواحهم مشدودة إلى الملأ الأعلى ، وخيرهم عام على الحياة
أولئك قومي بارك اللــه فيهمُ **** على كل حالِ ما أعــفّ وأكرمــا
نسأل الله سبحانه أن يملأ قلوبنا بأنوار محبته جل جلاله وأن يلهمنا رشدنا ويثبت على الصراط أقدامنا.